محمد بن جرير الطبري

82

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وتتبعوا من يهديكم في ظلمات البر والبحر وتخلصوا له العبادة فتفردوه بها وحده دون ما تشركونه فيها من آلهتكم وأوثانكم ؟ القول في تأويل قوله تعالى وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ يقول تعالى ذكره : وما يتبع أكثر هؤلاء المشركين إلا ظنا ، يقول : إلا ما لا علم لهم بحقيقته وصحته ، بل هم منه في شك وريبة . إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً يقول : إن الشك لا يغني من اليقين شيئا ، ولا يقوم في شيء مقامه ، ولا ينتفع به حيث يحتاج إلى اليقين . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ يقول تعالى ذكره : إن الله ذو علم بما يفعل هؤلاء المشركون من اتباعهم الظن وتكذيبهم الحق اليقين ، وهو لهم بالمرصاد ، حيث لا يغني عنهم ظنهم من الله شيئا . القول في تأويل قوله تعالى : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي يقول تعالى ذكره : ما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى من دون الله ، يقول : ما ينبغي له أن يتخرصه أحد من عند غير الله ، وذلك نظير قوله : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ بمعنى : ما ينبغي لنبي أن يغله أصحابه . وإنما هذا خبر من الله جل ثناؤه أن هذا القرآن من عنده أنزله إلى محمد عبده ، وتكذيب منه للمشركين الذين قالوا : هو شعر وكهانة . والذين قالوا : إنما يتعلمه محمد من يعيش الرومي . يقول لهم جل ثناؤه : ما كان هذا القرآن ليختلقه أحد من عند غير الله ، لأَن ذلك لا يقدر عليه أحد من الخلق . وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يقول تعالى ذكره : ولكنه من عند الله أنزله مصدقا لما بين يديه ؛ أي لما قبله من الكتب التي أنزلت على أنبياء الله كالتوراة والإِنجيل وغيرهما من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه . وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ يقول : وتبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفرائضه التي فرضها عليهم في السابق من علمه . لا رَيْبَ فِيهِ يقول : لا شك فيه أنه تصديق الذي بين يديه من الكتاب وتفصيل الكتاب من عند رب العالمين ، لا افتراء من عند غيره ولا اختلاق . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ يقول تعالى ذكره : أم يقول هؤلاء المشركون : افترى محمد هذا القرآن من نفسه ، فاختلقه وافتعله . قل يا محمد لهم : إن كان كما تقولون إني اختلقته وافتريته ، فإنكم مثلي من العرب ، ولساني وكلامي مثل لسانكم ، فجيئوا بسورة مثل هذا القرآن . والهاء في قوله " مثله " كناية عن القرآن . وقد كان بعض نحويي البصرة يقول : معنى ذلك : قل فأتوا بسورة مثل سورته ، ثم ألقيت " سورة " وأضيف المثل إلى ما كان مضافا إليه السورة ، كما قيل : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يراد به : واسأل أهل القرية . وكان بعضهم ينكر ذلك من قوله ويزعم أن معناه : فأتوا بقرآن مثل هذا القرآن . والصواب من القول في ذلك عندي أن السورة إنما هي سورة من القرآن ، وهي قرآن ، وإن لم تكن جميع القرآن ، فقيل لهم : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ولم يقل : " مثلها " ، لأَن الكناية أخرجت على المعنى ، أعني معنى السورة ، لا على لفظها ، لأَنها لو أخرجت على لفظها لقيل : فأتوا بسورة مثلها . وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يقول : وادعوا أيها المشركون على أن يأتوا بسورة مثلها من قدرتم أن تدعوا على ذلك من أوليائكم وشركائكم مِنْ دُونِ اللَّهِ يقول : من عند غير الله ، فأجمعوا على ذلك واجتهدوا ، فإنكم لا تستطيعون أن تأتوا بسورة مثله أبدا . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يقول : إن كنتم صادقين في أن محمدا افتراه ، فأتوا بسورة مثله من جميع من يعينكم على